اسماعيل بن محمد القونوي
198
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
تعالى : وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 77 ] نشر غير مرتب ( كما أن من اعتد بغيره يقاوله ويكثر النظر إليه ) تنظير لما نحن فيه بضده وفي الكشاف أصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية لأن من اعتد بإنسان التفت إليه وأعاده نظر عينيه فكثر وصار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثم نظر ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجردا معنى الإحسان مجازا عما وقع عنه كناية فيمن يجوز عليه النظر انتهى . وأخذ العلماء من هذا الكلام أن الكناية عند صاحب الكشاف فيما تمكن الحقيقة فيه والمجاز فيما لا يمكن الحقيقة مع قطع النظر عن قرينة مانعة عن إرادة المعنى الحقيقي وهنا لما كان النظر بتقليب الحدقة يكون كناية فيمن يجوز عليه ذلك كالإنسان إذا كان قرينة مانعة عن إرادة المعنى الحقيقي فيراد به الاعتداد والإحسان إثباتا « 1 » ونفيا إذ النفي تابع للإثبات ويكون مجازا فيمن لا يجوز عليه ذلك التقليب كما في هذا الكلام فإن تقليب الحدقة محال في حقه تعالى وإن كان بصيرا بمعنى أن له صفة البصر فاستعماله في شأنه تعالى يكون مجازا لا كناية لأن إرادة المعنى الحقيقي أو جواز إرادته شرط للكناية وقوله : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [ المائدة : 64 ] وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [ الزمر : 67 ] الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] ونحوها مجاز عند صاحب الكشاف لا كناية مصطلح أهل البيان وإن أطلقت الكناية على مثلها فهو على اصطلاح « 2 » أهل الأصول وهي ما استتر المراد منه سواء كان حقيقة أو مجازا وتفصيل هذا المقام وبيان الفرق بين المجاز والكناية محله فن البيان وقول المص والظاهر أنه كناية عن غضبه عليهم لقوله مخالف لرأي صاحب الكشاف فإن الظاهر أنه جعل قوله : وَلا يَنْظُرُ [ آل عمران : 77 ] كناية مع أن الزمخشري لم يرض به وجعل وَلا يُكَلِّمُهُمُ بلا كيف فاضطر إلى ارتكاب المجاز في شأن اللّه تعالى فلعل المصنف رحمه اللّه تفطن من كلام الكشاف ذلك المعنى فجعله كناية رد المذهب الاعتزال في هذه المسألة .
--> ( 1 ) فلا إشكال بأن لا ينظر إسناده إليه تعالى حقيقة إذ لا نظر كما لا تكلم لأن النفي تابع للاثبات فكما يتكلم وينظر كناية أو مجاز كذلك لا يتكلم ولا ينظر كناية أو مجاز . ( 2 ) وبهذا البيان اندفع التناقض ونقل عن صاحب الكشف أنه قال لا تناقض فيه أنه صرح بأن الكناية يعتبر فيها صلاح إرادة الحقيقة وإن لم ترد وأن الكنايات قد تشتهر حتى لا تبقى تلك الجهة ملحوظة وح يلحق بالمجاز ولا تجعل مجازا إلا بعد الشهرة لأن جهة الانتقال إلى المعنى المجازي أولا غير واضحة بخلاف المعنى المكنى عنه وقد سبق أن هذا الكلام منه يرفع ما توهم المخالفة بين قوليه في جعل بسط إليه كناية عن الجود تارة ومجازا أخرى فتذكر يعني أنه إن قطع النظر عن المانع الخارجي كان كناية ثم الحق بالمجاز فيطلق عليه أنه كناية باعتبار أصله قبل الالحاق ومجاز بعده فلا تناقض بينهما كما يوهموه انتهى وفيه خلل أما أولا فلأن الشهرة تقتضي الحاقها بالحقيقة لا بالمجاز كما هو المشهور من أن اللفظ إذا كان مشتهرا في المعنى المجازي صار حقيقة عرفية وكذا الكناية وما ذكره ليس له سند في كلام السلف ولا في الخلف وأما ثانيا فلأن قوله إنه إن قطع النظر عن المانع الخارجي كان كناية ضعيف جدا لأن هذا ممكن في كل موضع فاشتراط صاحب الكشاف إمكان المعنى الحقيقي في الكناية يكون ضائعا والنزاع بينه وبين الجمهور لفظيا فالتعويل دفع التناقض على ما ذكرناه فليتدبر .